|
|
|
 |
ولد أحمد بهاء الدين لأسرة
تنتمى إلى الطبقة الوسطى، خرج عائلها من إحدى قرى أسيوط بجنوب مصر (الدوير) تحت
تأثير الوظيفة، إذ كانت طبيعة عمله بوزارة الأوقاف تحتم عليه التنقل المستمر بين
محافظات مصر، وانتقل إلى أكثر من مدينة حتى حط الرحال فى مدينة الإسكندرية حيث ولد
أحمد الابن الثانى للأسرة، وكان هو الولد الوحيد لخمس شقيقات وأشقاء.
ويتحدد تاريخ ميلاده فى 11 فبراير عام 1927.
ومهما يكن، فإن نشأة أحمد بهاء الدين تعكس صورة للمثقف العربى الذى عرف المنطقة
العربية بعد الحرب العالمية الثانية.
ففى هذه الفترة الفوارة كان قد عرف كلية الحقوق، وتخرج فيها عام 1946، وحين كان
ينتقل كموظف بين وزارة التربية والتعليم والنيابة الإدارية ومجلس الدولة كان يشهد
هذه الفترة التى شهدت الطبع المتناقض للأوضاع بفعل تعامل العالم العربى مع النظام
الرأسمالى العالمى.
إذا أنه فى حين كانت المنطقة العربية – وخاصة مصر – قد ارتبطت بسياسة الحلفاء بعد
انتهاء الحرب وعانت من التطور الجنينى للاقتصاد وارتباط عدد كبير من السياسيين
والأحزاب المناوئة للاستعمار، فإن المنطقة العربية شهدت أعلى درجات التمرد على هذا
الواقع، وبدأنا نسمع صيحات تأميم البنوك، والأخذ بنظام الإصلاح الزراعى، ومجانية
التعليم.
وما إلى ذلك مما وجد له مناخاً مواتياً فى ذلك الوقت.
فى هذه الفترة، تحددت اهتمامات أحمد بهاء الدين أكثر، فوجد نفسه غير ميال للعمل
كموظف فى نمو إحساسه بالقضايا العامة، فاتجه بكليته إلى الصحافة، وسرعان ما وجد
متنفساً فى مجلة (الفصول) التى كان يصدرها الكاتب المعروف "محمد زكى عبد القادر"،
وقد شغل فى هذه الفترة – فضلاً عن تعرفه بالكتاب والقضايا المصرية والعربية –
بإطلاعه الفائق، إذ كان يشاهد منكباً طيلة ساعات النهار فى دار الكتب المصرية،
ليعيد قراءة كل الصحف التى صدرت منذ زهاء نصف قرن، كما شغل بالكتابة فى القضايا
الكثيرة التى كانت تعانى البلاد منها.
وأثرت المدنية كثيراً فى أحمد بهاء الدين، مما انعكس على اهتماماته التنويرية فيما
بعد.
إذ تعرف – فضلاً عن الصحف والمجلات والندوات – على وسائط ثقافية، كالسينما
والمسرح، ومعارض الفن التشكيلى، ويبدو أن الحركة التشكيلية لعبت دوراً كبيراً فى
تكوينه لما يعود إلى علاقاته بحركة التروتسكيين فى مصر فى ذلك.
وهى جماعة كانت تهتم بالسياسة لكى تولى اهتماماً فائقاً بالفن السيريالى الغربى
وطلائعه.
أيضاً تأثر كثيراً بالتاريخ وقرأ عنه وفيه كثيراً، ليس على سبيل القص والمعرفة..
وإنما للدرس والفهم.
فالتاريخ عنده "هو الفرق بين الإنسان الواعى، وغير الواعى ".. (أيام لها تاريخ،
المقدمة)، وبلغ شغفه للتاريخ أن سجل فى باريس رسالة لنيل الدكتوراه.
غير أن شغفه بالفن والتاريخ لم يمنعه من الإغراق فى العمل الصحفى.
إذ أدركت السيدة روزاليوسف فى ذلك الوقت قيمة هذا الفتى المتحمس، وأيقنت أنه فى
(مفترق الطرق) فأخذت بيده، وتركته يعمل فى الصحافة، مشترطة عليه ألا يهتم كثيراً
بالفن، ويترك دراسة التاريخ، ويخلص للصحافة، وهو ما انتهى إليه بالفعل.
(مجلة الشباب 1/6/1988).
لقد امتدت فترة النشأة إلى ثورة 1952، حتى مارس فى كل هذه السنوات ألواناً كثيرة
أثرت فيه كثيراً، فقد عرف (محرمات) كثيرة لم تكن ليسمح لأحد من الاقتراب منها فى
سنوات الأربعينات، يقول: "أتذكر أننى طيلة الأربعينات كنت أجرب (محرمات)
الاشتراكية، والوحدة العربية، وقضايا الإصلاح الزراعى، والدعوة إلى سياسة
الاستقلال الوطنى، بل كنت من أوائل من دعوا إلى سياسة بناء القطاع العام، وأذكر
جيداً أن أول ما كتبت – بعد تخرجى من الجامعة – مقالة – دعوت فيها إلى تأميم محصول
القطن وتأميم البنك المركزى (اسمه الأهلى يومذاك).
بل أننى فى هذه الفترة كنت أرقب حركة الاستعمار الجديد – الأمريكى – بحزن، وفى هذه
الفترة اعتملت داخلى كل ارهاصات كتابى عن الاستعمار الأمريكى (النقطة الرابعة)
الذى كتبته بالفعل فى منتصف عام 1951 ".
(محضر نقاش، 7/3/1988).
بيد أن ثمة مؤثراً آخر لا يمكن إغفاله، أسهم فى نشأة أحمد بهاء الدين منذ فترة
مبكرة، وهو مؤثر ارتبط باتجاهه الراديكالى الذى تطور فيما بعد، وأصبح أهم سمات
فكره، ونقصد به ارتباطه بيسار حزب الوفد فى (الطليعة الوفدية) التى كانت أحد
الأنظمة التابعة لحزب الوفد الأم، وإن كانت أكثر منه راديكالية.
ولا يجب أن نشير هنا إلى تأثير (الطليعة الوفدية) لدى أحمد بهاء الدين على اعتبار
أنه يترجم تكوينه الراديكالى المتمرد فى هذه الفترة وحسب، وإنما يمثل ذلك أيضاً
مفتاحاً لانتمائه العربى، فقد قصد (بالطليعة الوفدية) أن تكون أداة اتصال مع ".
شعوب الدول العربية "(رابطة الشباب 20 مارس 1947).
وقد كانت صحيفة رابطة الشباب التابعة للوفد، تتوسع فى ذكر أخبار البلاد العربية
وحركات التحرر فيها، وتهاجم خطط الاستعمار بشأنها، وتكشف سعى الولايات المتحدة
للسيطرة على البترول العربى وعلى اتخاذ المملكة العربية السعودية ركيزة لها.
وعلى مدى أكثر من خمسين عاماُ كان كاتباُ ورئيس تحرير ورئيس مجلس ادارة بالعديد من
المؤسسات الصحفية المصرية منها الفصول ، روزاليوسف ، صباح الخير ، الشعب ، اخبار
اليوم ، دار الهلال والاهرام كما شغل منصب نقيب الصحفيين وامين عام اتحاد الصحفيين
العرب لدورات متعددة .
اما فى الوطن العربى قد رئس تحرير مجلة العربى الكويتية بجانب كتاباته فى العديد
من المجلات العربية وقد حصل خلال هذه الفترة على العديد من الأوسمة المصرية
والعربية والعالمية .
وقد خط احمد بهاءالدين ما يجاوز اكثر من اثنين وثلاثين صفحة مجتمعة ما بين اراءه
الصحفية فى الصحف كتب ومؤلفات له بلغت اكثر من 34 كتاباُ وقد اصيب الكاتب بأزمة
صحية اقعدته عن الكتابة منذ مطلع عام 1990 حتى وفاته فى 24 اغسطس 1996 ، تاركاً
لوطنه ولامته تراثاً من الكتابة الصحفية والسياسية وعطاءً كبيراً من الدعوة لنهوض
الأمة العربية ولتحديثها فى كل المجلات بلغت لأكثر من2000شخصية عامة وخاض فى أكثر
من 320 موضوعا واظهر دور اكثر من 790 منظمة أو هيئة كما ترك مدرسة صحفية تتلمذ
فيها العديد من مفكرى اليوم.
|