قلم رصاص

بهاء.. كاتب من الدوير

 

عصر يوم الأربعاء، الرابع من أكتوبر الجارى، كان موكب الصحافة والثقافة المصرية بين زحام الفلاحين المصريين يحاول أن يصل بمشقة إلى مدخل مدرسة صغيرة فى قرية الدوير مركز صدفا محافظة أسيوط، كتب عليها "مدرسة أحمد بهاء الدين".

هنا قرية مصرية لها تاريخ، ومن تراب القرى المصرية الولود خرج الشيخ محمد عبده وسعد زغلول ومصطفى النحاس والشيخ محمد مصطفى المراغى وطه حسين والشعراء محمود حسن إسماعيل وصلاح عبد الصبور وفضيلة المفتى محمد سيد طنطاوى والأديب مصطفى لطفى المنفلوطى.. شعور غريب، انتابنا ونحن نستعيد انتماءنا بالفخر والاعتزاز والمحبة إلى القرية المصرية.. مررنا قبل الدوير وبعدها بقرى كثيرة.. هذه قريتى وهذه قرية الدكتورة عواطف عبد الرحمن وتلك قرية عبد العال الباقورى.. كنا نذكر هذا ونحن بين زملاء موكب الاحتفال بتكريم زميلنا الكبير أحمد بهاء الدين.

ولا أدرى كيف كانت إجراءات افتتاح المدرسة، وجدت نفسى قد تهت بين زحام بلدياتى الصعايدة، آباؤها بملابسهم التقليدية والأبناء والبنات والزغاريد والمزمار ودقات الطبول – حشد كبير جاء إلى المؤتمر الشعبى فى فناء مدرسة أحمد بهاء الدين، عدنا إلى جذورها إلى تراب القرية وهو أفضل ألف مرة من طرقات قاعات الندوات والمؤتمرات المفروضة بالسجاجيد والموكيت، وعرق الفلاحين وهو أطيب من العطور والملابس البلدية ولا أردية الأناقة فى المدن، تركت نفسى فى هذا الحشد الزاخر حتى وجدت زميلى "عبد الستار الطويلة" فى طريقه إلى المنصة وجلست إليه فقد كان من المقرر أن نتحدث هو وأنا فى هذا المؤتمر الشعبى.

وتمنيت فى كلمتى لو كان معنا "أحمد بهاء الدين"، ليرى بنفسه الشعب الحقيقى الذى وضع قلمه وفكره وصحته دفاعاً عن حقه فى الحياة والحرية، وليرى بنفسه المدرسة التى تحمل اسمه وليرى الدوير وأسرته هناك.. وكل الذين يعرقون ويكدحون بعيداً عن الأضواء..

وفى اليوم التالى كنا ثلاثة.. الدكتور وجيه أحمد جمعة نائب رئيس جامعة أسيوط وزياد أحمد بهاء الدين وأنا توجهنا إلى مكتب رئيس جامعة أسيوط الدكتور محمد رجائى الطحلاوى.. الرجل الذى قاد الجامعة فى فترة من أحرج فتراتها واستطاع أن يخرج بها إلى بر الأمان حيث الطمأنينة والجهود العلمية والترابط المثمر بين الجامعة وأنشطة المجتمع كافة، وشكرناه على قرار ذكى ويقظ من مجلس جامعة أسيوط يمنح درجة الدكتوراه الفخرية فى العلوم السياسية للكاتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين، وغداً الاثنين يكون "زياد" يتسلم وثيقة هذه الدرجة العلمية التى تشرف باسم "بهاء الدين" على حد تعبير الدكتور "محمد رجائى الطحلاوى".

و"زياد" لمن لم يره أقرب صورة تذكرنا بأحمد بهاء الدين، هدوء وتواضع ونظرة ودودة تجعلك تحبه وتتمنى له كل خير، أطلت النظر إليه وقلت له حدثنى عن نفسك، حصل على إجازة الحقوق من لندن، وقارب على الانتهاء من إعداد الدكتوراه فى الرقابة المالية على المصارف، ليت بهاء الدين كان معنا ونحن نحيط زياد بنظرات الود والمحبة.

وإلى الأعزاء الذين يلاحظون على بعض كتاباتى درجة من الانفعال عندما أتحدث عن أسيوط ومن أنجبتهم، وعندما أتحدث عن الصعيد ورجالاته، أو عندما يأتى ذكر مصر القديمة وأمجادها، لهؤلاء أكرر ما قلته لهم إننى أسعد عندما أقرأ للأستاذ "أنيس منصور" وهو يتحدث عن بلدياته أبناء المنصورة، وللأستاذ "جمال بدوى" وهو يكتب عن "بسيون" – وعلى فكرة يا أخ جمال سألونى فى أسيوط عن الدائرة التى سوف ترشح نفسك فيها فى الانتخابات القادمة.. ليتك ترد على هذا السؤال فى الأيام القريبة، وأسعد أيضاً عندما اقرأ لزميلنا الدمياطى الكبير "عباس الطرابيلى" وهو يكتب عن دمياط وهمومها.

هذه ظاهرة طبيعية وطيبة ولا عيب فيها أو عليها، كيف يحب الإنسان – أى إنسان – الأطفال والطفولة دون أن يحب أطفاله ويرعاهم ويحدب عليهم ويعتز بهم؟ نحب أطفالنا أولاً ونحب أهلنا أولاً، ونحب بلدنا وتاريخنا أولاً وبعد ذلك فلنحب كما نشاء.

أذكر فى هذا المقام أننى منذ سنوات فى الستينات كنت أجلس إلى زميلى وصديقى المرحوم محمد المعتصم سيد عندما كان مديراً لإذاعة ركن السودان وجاء صديقنا المذيع الذى كان على أهبة التسجيل مع "الدكتور حسين فوزى" ولا أنسى العبارات التى قالها المثقف الراحل "الدكتور حسين فوزى" فى جزء من التسجيل "أنا رجل لى تاريخ" لست متسولاً على الآخرين، لنا جذور.. فى معبد الكرنك، فى الكنيسة المصرية، فى الأزهر الشريف... ويحق لنا أن نفاخر بهذا التاريخ كله".

وأخشى أن يظن القارئ أننى كنت وحدى فى تكريم أحمد بهاء الدين، لقد أصدرت الثقافة الجماهيرية كتاباً هاماً هو باقة حب مهداة إلى أحمد بهاء الدين "وقدمها" محمد سميح السعيد محافظ أسيوط وحسين مهران رئيس هيئة قصور الثقافة، واختار ورودها د. جلال أمين، رجاء النقاش، رشاد كامل، د. شكرى عياد، د. صابر حارس، د. عبد الله هدية، د. على الراعى، د. على الدين هلال، فتحى غانم، فريدة النقاش، لمعى المطيعى، د. محمد الرميحى، محمود قاسم، د. مصطفى عبد الغنى، مصطفى نبيل، نبيل زكى، يوسف القعيد ولا أنسى الذين أسهموا فى إثراء التكريم – سلامة أحمد سلامة، عبد الستار الطويلة، الدكتورة عواطف عبد الرحمن، وقدرى أبو حسين، صلاح شربت، أبو المعاطى أبو النجا، عبد الفتاح رزق، وراجى وهبة عنايت، ومحمد جبريل.

ويا أحمد بهاء ابن الدوير ابن أسيوط ابن مصر سلام من الله عليكم ورحمة وبركات.

 

لمعى المطيعى

8-10-1995