أحمد بهاء الدين.. النبوءة والمستقبل
مر أمس عام على رحيله وسوف تمر أعوام أخرى كثيرة دون أن ينسى قارئ أحمد بهاء الدين تميزه ووعيه الفائقين فى كثير من القضايا المعاصرة حولنا، خاصة، امتلاكه حاسة تنبؤية علمية عالية.. وحاسة زرقاء اليمامة أكثر ما نلاحظه حين يكتب عن المستقبل من النقطة البعيدة المجهولة فى الزمان الحاضر حيث يجلس محاولاً فهم ما سوف يأتى به الغد..
ومحاولته هذه تقوم فى الأساس الأول على اعتماده على درس التاريخ، أو محاولة رصد المستقبل فى التحديق فى مرآة الحاضر عبر حادثه ووفق احتمالات علمية بشرط التنبه إلى حقيقة أن التاريخ لا يعيد نفسه كربونياً، فإذا وضعنا نظرنا على المستقبل ونحن نضع احتمالات معينة تقوم على الفهم العلمى يمكن التنبؤ بما سوف يحدث فى المستقبل حسب توافر شروط علمية وليس تنجيماً من فراغ.
والتنبؤ أو علم المستقبل كلها فروض علمية نجدها فى علم السياسة، استطاع العقل البشرى الواعى الإفادة منها دون أن يقع فى سراب التجديف باسم العلم أو باسم الغيبيات أو باسم الكشف.
ومراجعة كتابات أحمد بهاء الدين منذ بدايات الخمسينات حتى رحل نرى أنه حاول أن يبحر فى هذا التيار منطلقاً من رؤية ثاقبة لحاضره وفهماً واعياً لماضيه مسرعاً للتواؤم مع عصره محرضاً عليه، عابراً منه إلى المستقبل.
وقد روعت، وأنا أراجع بروفات كتاب صدر عنه بعد رحيله، بحجم النبوءة الصادقة التى تنتشر فى كل كتاباته، وحجم الرؤيا القائمة على الوعى، فلم يعتمد على الفهم الذاتى للأمور والخروج منها بدروس مستفادة كما نعرف عند بعض كتابنا، بل أضاف إلى ذلك فهماً ثاقباً للمبادئ الرئيسية لعلم المستقبليات بشكل علمى.
ولأننى عاصرت الفترة الأخيرة من حياته وبعد رحيله، وأتيحت لى فرصة الاقتراب منه، والتعرف على كتاباته أكثر، ربما أكثر من غيرى، فقد شهدت.. بالفعل.. تحقيق الكثير من نبوءاته الواعية.
ومراجعة كتاباته منذ فترة مبكرة نستطيع أن نجد فيها بشكل مباشر أو بين السطور هذا الوعى لتطور الأحداث، خاصة، أنه كان يحاول فهم الآتى بشروط الفرض العلمى، فالجملة الشرطية عنده ترتبط بمدى وعيه، إذ كان يعتمد على قاعدة شرطية تقول (إذا.. فسيكون).
(1)
وبناء عليه كان يدرك منذ فترة مبكرة أنه أمام كم هائل من الكتابات وعديد من الاجتهادات تحمل كلها هذا التطلع الواعى المحسوب للغد.
نلاحظ فى الخمسينات – على سبيل المثال – أنه تنبه إلى أن الحروب التى تتعرض لها مصر من الكتلة الغربية يمكن أن تأتى بتغييرات سلبية فى النهاية لو قدر لها أن تنتصر على كفاحنا وإصرارنا فى معركتنا ضد الغرب، ومن هنا، كان يقدر من زاوية بعيدة تأثير الرأسمالية الغريبة علينا فى حالة سيطرة الغرب، لنتأمل هذه الجملة التى جاءت فى مقالة له فى نهاية الخمسينات، يقول:
"إذا كان الغرب يريد أن يرانا رأسماليين لكى نصبح (غربيين)..
فإن بعض الرأسماليين يريدون منا أن نصبح غربيين كطريقة مثلى لحماية رأسماليتهم !".
وها نحن الآن نلاحظ أن رجال الأعمال بالتحالف مع الغرب، عبر الشراكة فى عديد من المشروعات والشركات متعددة الجنسيات والتماشى مع قوانين "الجات" والتحالف مع بعض عناصر المثقفين فى الداخل... الخ..
وحين نمضى إلى قرب منتصف الستينات – عام 1964 – نلاحظ سلسلة مقالات يكتبها بهاء الدين بعنوان "الأيديولوجيات تتنازل عن عرشها"، متنبئاً أن سقوط الإمبراطوريات الضخمة سوف يحدث فى المستقبل، وهو ما حدث بعد ذلك بالفعل حين سقطت الإمبراطورية السوفيتية، وبسقوط الأيديولوجيا لازمه صعود للتكنولوجيا المتطورة، وحين كان يلقى محاضرة بعمان فى نهاية عام 1989 (بفندق ماريوت) فاجأ مستمعيه بأنه كان أول من تنبأ بما حدث بالفعل وشهده، ولم ينتظر دهشة مستمعيه كثيراً إذ جاء صوته الهادئ ليؤكد أن ذلك حدث انطلاقاً من متابعته للمؤسسات المعنية بقراءة المستقبليات، وراح يحدد اسماً له دلالته فى هذا الوقت فى التطور العالمى وهو يوجين بلاك وقد كان أول رئيس للبنك الدولى، إذ كان بلاك قد تنبأ بالفعل، من واقع معطيات حاضره، والتطور العلمى الخلاق الذى تعامل معه.. بانتهاء الصراع بين الجبهة الاشتراكية والجبهة الرأسمالية.. وأكد بما لا يدع مجالاً للتكهن أن المستقبل لن يعرف يميناً أو يساراً وإنما سيعرف تطوراً اقتصادياً ومعلوماتياً باهراً هو الذى سيحدد درجة هذا التطور ودرجة استيعاب التغييرات الهائلة فى العالم، وإن كان قد ركز فى هذا الوقت على الجانب الاقتصادى، وراح بهاء الدين ليركز فيما يركز على الجانب العلمى أكثر منه، وبمراجعة كتابات بهاء الدين فى الستينات سوف نراه يؤكد أن النظام الذى لن يراعى حاجة الإنسان للرخاء والاستمتاع بتكنولوجيا العصر سوف يطويه التاريخ، وقد كتبت على إثر رحيله أن الهدف الرئيسى لأحمد بهاء الدين كان تغليب القيمة المحورية الذى بذل فيها سنوات كثيرة على غيرها، وهذه القيمة كانت قيمة التعليم.
لقد أصبح العدو الآن يستخدم أحدث التقنيات فى العالم، وهى تقنيات تأتى من الغرب المتقدم، مما يؤكد أن الحرب بيننا وبين الغرب وليس بين إسرائيل، وبيننا وبين الغرب المتقدم بشكل خاص وليس بين دولة تابعه، إن (الفجوة الحضارية) هى التى كانت تتردد فى كتاباته بشكل نستطيع أن نتحدث معه فنقول فيه إنه كان واعياً للنبوءة التى جاء بها، ولم نكن نحن واعين لصدق النبوءة بالقدر الكافى، لنقرأ مقطعاً من كتاباته فى بداية السبعينات، يقول عن تصوره للحل:
(.. الحل لن يكون عسكرياً فقط كما يتصور الرأى السائد.. فنحن العرب لا نحارب إسرائيل الموجودة على الخريطة.. ولكننا نحارب أمريكا وأوروبا والحضارة الغربية التى ليست إسرائيل سوى خنجرها المغروس فى لحمم المنطقة العربية. وبالتالى فهناك فجوة حضارية بيننا وبين الخصم..) الخ.
إنه الوعى بطبيعة اللحظة، الذى هو – فى الوقت نفسه – الوعى بهاجس المستقبل وطبيعة الصراع وما سوف يسفر عنه فى غيبة حضارة تقنية وأدوات معرفية أصبحت رائدة الآن فى البحث عن حل حيوى لقضايانا مع الغرب وهو ما نجده طيلة حياته.
(2)
وإذا استعرضنا ما كتبه بهاء الدين كل هذه السنوات، وما انتهى إليه الواقع العربى بعد حرب الخليج حتى اليوم نروع من حجم الوعى بالمستقبل، المتناثر فى كتاباته، وهى كتابات ظلت لفترات طويلة يومية بشكل فاق كل توقع كان ينتظر من كاتب. إنه منذ الستينات.. على سبيل المثال كان يصيح من آن لآخر بهذه الجملة التى كانت تتشابه فى حروفها – لا معناهافقط، تقرأ.
(قد يأتى اليوم الذى يؤمم فيه الغرب مصالح الدول العربية).
وعشنا حتى رأينا قيام الغرب إبان حرب الخليج – بالفعل – فى تأميم كثير من أموال الأقطار العربية ومصالحها وبترولها، وإن يكن بوضع اليد وبقوة العسكر.
ولنقرأ أيضاً هذه الفقرة التى كتبت فى نهاية الخمسينات، والتى يستخدم فيها الجملة الشرطية بشكل واع. يقول، ونحن ننقل من كتاباته بالحرف الواحد:
(إذا تصورنا أن أى قوة من القوى العالمية التى تحاصرنا بضغطها.. استطاعت أن تعيد العرب إلى الوراء.. لوجدنا أن أى بلد عربى – بمفرده – لن يستطيع أن يحقق أى شئ سواء فى الكويت أو العراق أو أى بلد آخر).
هل لاحظنا هنا كلمات ملفتة (إذا.. لوجدنا) وهى جملة شرطية ونحن ما زلنا نستقبل الآثار السيئة للغزو العراقى للكويت من نوع (القوى العالمية) و (تعيد العرب إلى الوراء) وذكر تحديداً قطرى (الكويت والعراق) فى وقت لم تكن الأحداث لتنذر بمثل هذه العاصفة عاصفة الصحراء – التى هبت علينا فى بداية التسعينات.
الأكثر من هذا لفتا للنظر والتأمل، ما كتبه أثناء تهديد العراق بغزو الكويت فى بداية الستينات، ويقول فيه:
المطلوب من عبد الكريم قاسم هو إنهاء الأثر النفسى الذى أحدثته دعايته وهى تهدد بالغزو والقتل والسحل..
.. (و).. كل حاكم الآن يجب أن يعرف أنه لا يعيش فى العالم بمفرده..
(و) إن المجتمع الدولى لا يقر الغزو المسلح تحت أى عدوان (و) حاكم الكويت مطلوب منه أن يسحب تهديداته وأن يتعهد تعهداً جدياً بعدم استخدام القوة.
(و) أغلبية الأمة العربية وأغلبية العالم الساحقة أيضاً تؤيد استقلال الكويت.
هل يستعيد القارئ الكريم أحداث الغزو العراقى 90/1991 فى ضوء تهديد الغزو العراقى بغزو الكويت عام 1961، نحن نستطيع أن نحذف اسم قاسم لنضع مكانه صدام، وأن نعرف هوية الحاكم الذى يجب أن يعرف أنه لا يعيش فى العالم بمفرده فى الحالتين.. إلى آخر هذه الإرهاصات الثاقبة بالتنبؤ بما يمكن أن يحدث وفى الوقت نفسه محذراً من حدوثه.
ونقترب أكثر من عقلية العرب التى يعيشون فى نهاية القرن العشرين.. إنه فى حين يكتب هذه العبارة.
(ما يقول العرب واحد.. وما يمارسونه مختلف).
يعود يتحدث بنفس الوعى عن مؤتمرات القمة التى تعقد من آن لآخر دون جدوى، ويدعو لاحترام العقل العربى. يقول:
(مؤتمرات القمة صارت ستاراً من الدخان.. ! لن يتغير الموقف إلا إذا أصبح للعقل العربى احترام).
ونحن نعلم أن بهاء الدين كان أول من دعا لقبول دولة لفلسطين فى نهاية 67 – وكان هذا الوقت جريئاً جداً من كاتب عربى يخرج عن الجوقة التى كانت تدعو – فى ذلك الوقت – لعد م تمثيل العرب فى الأرض المحتلة، وتدعو إلى الكفاح المسلح، خاصة، أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد أعلن عنها فى عام 1965.
وقد راح فى هذا الوقت يكتب مقالات إضافية يتصور فيها هاجساً مستقبلياً عملياً لحلقات كثيرة (ما لبثت أن تحولت إلى كتاب) ما هو تصوره عن إقامة دولة فلسطينية، وظل يضع لها حيثيات القيام وشروط الإنشاء ويدعو المفكرين والمثقفين العرب للكتابة فى هذه القضية لبلورة القضية أكثر.
وأذكر أنه قال لى – فيما بعد – إن عبد الناصر كان قد أرسل إليه مبعوثاً سرياً فى ذلك الوقت ينبهه فيه إلى أن ما يقال يمكن أن تكون له صفة رسمية لأنه يكتب فى إعلام تابع للدولة، ومع ذلك، فإنه لم يتردد فى مواصلة الكتابة، خاصة حين اتسعت الدائرة وجاءته ردود أفعال كثيرة من داخل الأرض المحتلة وخارجها تناقش وتحاور وترفض وتؤيد.
ولم يكن الرفض السياسى فقط هو الذى واجه أحمد بهاء الدين وإنما واجه رفضاً آخر من بعض المثقفين الذين لم يروا البعد الحقيقى لهذه المبادرة التى تثبت أقدام العرب، منذ فترة مبكرة، على جزء من أرضهم، ولو كان ذلك حدث فى وقتها، لما كنا عرفنا – فيما بعد – أكروبات كثيرة من الصهاينة بدءًا من مدريد واوسلو وصولاً لهذه الأيام التى ترفض فيها إسرائيل الدخول فى تفاوض مع قيادة الحكم الذاتى، وحيث تحولت الأرض العربية فى معظمها إلى مستعمرات صهيونية إما تقطع ما بقى منها أو تستولى على بعضها، أو تحول الكثير منها إلى مناطق محظور العمل فيها أو – حتى – العيش فيها، أو تصادر العديد من البيوت وحيث تتغير معالم الأرض العربية الباقية كلما قام أحد الفدائيين من حماس أو الجهاد بحركة انتحارية ضد الإسرائيليين أذكر أننى حين ذكرت الأستاذ بهاء، فيما بعد بهذه الكتابات: قال فى حسرة.
(اقترحت هذا فى أواخر سنة 1967، وكانت الفكرة قبول دولة فلسطين هى الضفة الغربية وغزة... وقد رفض هذا الكلام رفضاً شديداً).
وهذه هى الفترة التى راح بهاء الدين يحلل فيها طبيعة الصراع بين الغرب المستعمر – لا الحضارى كما يزعم البعض – وواقعنا اليوم حيث أصبح البترول يمثل العصب الاقتصادى الأول فى هذا العالم، وبعد أن أطال التحليل إلى عدة مقالات، راح فى نهاية السطور يطرح سؤالاً يحمل إجابته، يقول:
(ماذا يراد بنا نحن العرب، وقد تفجرت أرضنا بالبترول.. فى هذا العالم الرهيب؟).
.. وبعد، كان بهاء الدين يمتلك الحس العلمى الذى هو أساس الوعى التاريخى بالقومية، وهو حس مكنه من الوصول إلى درجة عالية من هذا الفهم الذى فسر به كيف نعيش فى هذا العالم، فلا يمكن الحديث عن وحدة عربية قط دون الحديث عن المركبات الثقافية، والاتجاه إلى تبنى تعاون اقتصادى فيما يشبه السوق الأوروبية، وقبل هذا وذلك الوعى بعصر المعلوماتية (كان أول من دعا إلى إدخال الكومبيوتر إلى المدارس) والعمل لبناء (دولة عصرية) قوية والوعى لحضارة (حضارة) الغرب المستعمر لا تجاهلها.
وهو بهذا الوعى والفكر الخلاق ما زال يعيش بيننا.
مصطفى عبد الغنى
25-8-1997