أين الجبرتى..؟
يوماً بعد يوم يزداد إحساسنا بمدى الفراغ فى حياتنا الفكرية نتيجة غياب قلم أحمد بهاء الدين الذى طال بأكثر مما نتمنى.. وكلما أحاطت بنا الأحداث أشتد احتياجنا إلى كتاباته التى ظلت لسنوات طويلة علامة مميزة فى فكر التنوير والإصلاح الاجتماعى والسياسى فى مصر والعالم العربى.
إن كتابات أحمد بهاء الدين –لفترة تزيد على ثلاثين عاماً– تمثل لجيلنا ريادة فكرية والتزاماً بمنهج التحليل الهادئ بعيداً عن قعقعة الألفاظ الجوفاء التي أصبحت شائعة فى أكثر الكتابات العربية.. وسط غثاء الكلمات التى بلا معنى ولا تقول شيئاً يضيف شيئاً جديداً للعقل فظل أحمد بهاء الدين يحدو قافلة محدودة العدد لاقتحام معارك شجاعة ضد الجهل والتعصب.. والتخلف العقلى والاجتماعى ولكشف صور السطحية والجمود الذى أصاب العقل العربى والذى أوقف نمو أمة فلم تدرك حتى الآن أن العالم تغير وأن الناس ذهبوا إلى القمر ولم تتهيأ لنظام دولى جديد كما فاتها أن يكون لها دور فى النظام القديم!.
ولقد أحسن مركز الأهرام للترجمة والنشر حين جمع مجموعه من يومياته التى ظل القارئ العربى معلقاً بها لسنوات فى عموده اليومى فى الأهرام وجاء عنوان الكتاب دقيقاً.. "يوميات هذا الزمان" وأول يومياته ما كتبه أحمد بهاء الدين بعنوان "أين الجبرتى؟" وكأنه يتحدث عن نفسه ويشير إلى دوره هو بالتحديد دون أن يدرى. فيقول: "تمنيت أن يكون بيننا" عبد الرحمن الجبرتى" آخر لكى يؤلف جزءاً ثانياً من كتابه "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" الذى ألف جزءه الأول قبل قرنين من الزمان ليسجل عجائب الحياة المصرية المعاصرة فتحققت أمنيته بهذا الكتاب الذى جاء تسجيلاً وتحليلاً لعجائب الآثار والأخبار فى حياتنا وفى عصرنا ورصداً دقيقاً لظواهر وتناقضات الحياة فى المجتمع المصرى والعربى فى هذه الفترة التى يمر فيها بتحولات بالغة الأهمية فكرية واجتماعية ابتداء من ظاهرة شيوع تعبيرات غريبة فى مجال التفاخر مثل "إحنا اللى دهنا الهوا دوكو" أو "إحنا اللى خرمنا التعريفة" إلى ما يمكن أن يقال من أننا "إحنا اللى سرقنا الونش" وفى رصد أمين يسجل أحداثاً لا تلفت إلا نظر مفكر اجتماعى وسياسى ومن أمثلتها: أن يتقدم رجل ليقود موكب زفاف صديقه وهو يقود "وأبور زلط" مملوكاً للحكومة مشاركة منه فى الابتهاج إلى ما جرى فى المحاكم من خلاف على 24 شيكاً مزوراً باسم وزير الاقتصاد إلى سائق الأتوبيس الذى أنزل الركاب ماعدا راكبة تفاهم معها وذهب بالأتوبيس إلى شارع مهجور ليختلى بها والملابسات الكوميدية التى أدت إلى ضبطه بعد تحطيم الأتوبيس المطفأ الأنوار المغلق من الداخل.. ثم ظواهر تبادل القتل بين الأزواج والزوجات والآباء والأبناء والبنات, إلى جانب الاستيلاء على عشرات الملايين من الجنيهات من البنوك والهرب بها إلى الخارج.
ظواهر كثيرة تسجلها عين خبير وتتعمق فى تحليل ما وراءها مثل أوامر القبض أو الأحكام التى تصدر وقد هرب المتهم مسافراً قبل صدورها بساعات وعلى قدرة الانتربول ولا غيره على إعادة هارب واحد.. إلى مئات آلاف الشقق المغلقة فى أزمة الإسكان الخانقة ولواء على المعاش يقتل جيرانه لعدم احتماله ضجيج الشارع.. الخ.
يتساءل أحمد بهاء الدين بعد أن يرسم فى يوميات كثيرة هذه اللوحة الدقيقة للمجتمع المصرى: أين هو ذلك "الجبرتى" الذى أحيل له الخطابات التى أتلقاها فى البريد كل يوم تهديداً بالانتحار من الضجيج أو المجارى أو ارتفاع الأسعار..؟ بينما ليس لدينا "جبرتى" آخر غير أحمد بهاء الدين ذاته وإلا فأقرؤوا هذا الكتاب الذى جمع بعض يومياته لتروا كيف ناقش قضايا غاية فى الأهمية أخذ مادتها من الحياة فى الشارع والبيت والدولة ووقف عندها لكى يلفت نظرنا إلى أن ثمة شيئاً ناقصاً يجعل الآلة تدور فى الاتجاه الخطأ.. إنه يتحدث عن موضوع جديد هو "سمعة الشعب".. كما يتحدث عن دلالة حوادث من نوع خاص مثل سرقة ثلاثة آلاف من الأفلام التسجيلية التاريخية النادرة.. والمال السائب الهائم فى الشوارع الهارب من البنوك ومن الدولة ومن أين جاء وإلى أين يمضى.. ومائة وستون قضية مخدرات تمكنت عصابة من تزوير أوراقها إلى درجة الإخطار بأن الأحياء صاروا موتى وبالتالى حكم فيها بالبراءة وكلها قضايا مخدرات فقط.. والعصابة فيها محامون وموظفو نيابة وموظفون بدار القضاء العالى وبنيابة المخدرات فى تطبيق دقيق للحكمة القائلة "من مأمنه يؤتى الحذر".
إنه لا يكتفى بالرصد والتسجيل ولكنه يستخدم ببراعة قدرته الخاصة على ربط الظواهر وعلى التحليل العقلى والموضوعى لها ويربط الظواهر المتناثرة فى إطار يجعلنا نستطيع رؤية ما وراءها ثم يساعدنا على الفهم والتفسير ويشاركنا فى التفكير فى العلاج.. إنه كاتب لا يستخدم زخرف القول لكى يزيف الحقائق ويبرر الأخطاء ويشارك فى عملية تغيب العقول ولا يتلاعب بالمنطق إلا أن يصاب أصحاب العقول السليمة بالغثيان العقلى.. إنه كما قال عنه أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل: كاتب يحمل مسئوليته بجد ويستشعر همومها بصدق ويؤديها باحترام لنفسه وللكلمة وللقارئ ولذلك رأى الأهرام أن ينشر هذه اليوميات بين دفتى كتاب تحية للكاتب الذى أبتعد عن قرائه أضراراً لظرف صحى ندعو الله جميعاً ألا يطول.
يشتد الإحساس بغيابه فى هذه المرحلة ينطبق على حالنا ما كان يقوله حكماء العرب الأقدمون "فى الليلة الظلماء يلتمس البدر" ويعبر عن ذلك أستاذنا محمد حسنين هيكل فى المقدمة حين يقول "أعترف بأننى طوال أزمة الخليج لم أفتقد رأيا كما افتقدت رأى أحمد بهاء الدين وفى وسط الطوفان الذى ساح فيه من الحبر على الورق أكثر مما ساح من الدم فى ميادين القتال فإن كلمة أحمد بهاء الدين كانت هى الشعاع الوحيد الغائب فى وهج النار والحريق كان الكل حاضرين وكان وحده البعيد مع إنه كان الأقرب إلى الحقيقة والأكثر قدرة على النفاذ إلى جوهرها وصميمها.. لم يكن ابتعاده الاضطرارى مجرد خسارة للعقل المتوازن فى أزمة جامحة.. ولكن الخسارة كانت أكبر لأن معرفته ببؤرة الصراع كانت أدق وأعمق.."
ليس كتاب اليوميات –بحق– إلا تحية لكاتبه الكبير المحتجب مؤقتاً عن قرائه وشيئاً أقرب ما يكون ببطاقة شكر من "بهاء" إلى قرائه الذين أحاطوا فراش مرضه بأمانيهم وزهورهم.
ثم نواصل ندائنا –ودعاءنا– له– مع الأستاذ هيكل– "بهاء.. نحن نريدك معنا"!!
رجب البنا
20-10-1991