صندوق الدنيا:
مطلوب الجبرتى
لست أعرف من الذى اختار هذه اليوميات التى نشرت فى كتاب "يوميات هذا الزمان" لأحمد بهاء الدين.. وأياً كان صاحب الاختيار فهو جدير بالإعجاب.. لقد اختار بذكاء ونعومة فجاء الاختيار معبراً عن شخصية الكاتب وشخصية عصره فى نفس الوقت.. والأصل فى الكتب أن تقاوم الزمن وأن تحاول قدر الإمكان ألا تدلف لمتحف الذكريات التاريخية. وإذا انطبق هذا الكلام على الكتب العادية فهو أشد انطباقاً على كتب الصحافة.. إذاً الأصل فى هذه الكتب أنها تساير الحياة اليومية هى أحداث ساخنة وقصص لا تلبث الأيام أن تطويها فتصبح الأيام ماضياً بعيداً. وبالتالى فلابد للتعليق عليها أن يدخل هو الأخر كهدف الماضى ولكن كتاب الأستاذ بهاء يبدو جديداً رغم قدمه بل إنه يمكن أن ينشر هذه الأيام فى الجريدة فلا يحس القارئ أن هذا الكتاب قد نشر قبل ذلك منذ عشر سنوات أو عشرين.. إنما تحس أن الكتاب ينتقد أوضاعاً قائمة وأنه كتب الآن ومازال حبره طرياً ومازالت أنفاسه ساخنة تنبض بالحياة..
والسر فى ذلك لعبقريتين معاً.. عبقرية الأستاذ أحمد بهاء الدين وعبقرية الفساد المصرى وتنوع صور الخلل والخطأ.
فى بداية الكتاب يتمنى الأستاذ بهاء لو قام بيننا عبد الرحمن الجبرتى آخر لكى يستكمل الجزء الأول من كتابه "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" الذى ألف جزءه الأول قبل قرنين من الزمان, ليسجل عجائب الحياة المصرية المعاصرة.. كنا نقول عن أنفسنا فى مجال التفاخر غير المفهوم "إحنا اللى دهنا الهوا دوكو" أو "إحنا اللى خرمنا التعريفة".. الآن لدينا قول صحيح على الأقل إذ يمكن أن نقول "إحنا اللى سرقنا الونش".. كان هناك خبر آخر فى الصحف عن الزفاف الذى تقدم موكبه رجل يقود وأبور زلط للدولة أو القطاع العام مشاركة فى الابتهاج.. أو الخلاف على 24 شيكاً مزورة باسم وزير الاقتصاد.. أو مئات آلاف من الشقق المغلقة فى أزمة الإسكان الخانقة.. ومئات الملايين مجمدة فى الطوب والاسمنت.. ويمضى الكاتب فى إحصاء الصور التى يقترحها على جبرتى مصر الجديد.
أحمد بهجت
17-10-1991