يوميـات

كان لهذا المكان الشرف أن اختارتة جامعة الإسكندرية منذ سنوات قليلة لتنشر فيه أول دعوة لإعادة بناء مكتبة الإسكندرية. وبدأ الحلم وقتها بعيداً عن التحقيق.. ورغم ذلك حرمتنى "أنفلونزا" مفاجئة قاسية –كالعادة– من تلبية الدعوة لحضور احتفالات أسوان الخاصة بهذا المشروع وقد كنت فى الإسكندرية منذ أسبوع وكان أهل الإسكندرية متذمرين من اختيار أسوان مقراً للمؤتمر وإسماً للبيان الذى سينشر على العالم من الملوك والرؤساء حول مكتبة ستحمل اسم الإسكندرية ولكن الإخراج فيما أتصور أراد أن يجمع بين إسمين عالميين أسوان والإسكندرية.

وقد أتيح لى أن أحضر فى باريس العام الماضى اجتماعاً فى اليونسكو يناقش تفاصيل المكتبة ومشاريعها وكان الدكتور أحمد فتحى سرور وزير التعليم مشاركاً فى الاجتماع بالطبع على رأس الجانب المصرى.

وقد يتعجب القارئ من ضرورة شتى الخبرات العالمية المطلوبة لمشروع المكتبة. ولكن عجبه يزول إذا عرف أن المشروع ليس مجرد بناء "دار للكتب" أو "مخزن للكتب" كما قال أحد الأعضاء يومها. إن كلمة "مكتبة" الآن لم تعد مجرد بناء أصم فيه آلاف أو ملايين الكتب. إنه بعد كل ما استجد عبر السنين من مرئيات وسمعيات ومئات فروع العلوم والفنون والمراسم والمعامل. جعل "المكتبة" بالمعنى الحديث كائناً حياً عامراً بشتى أنواع الحركة والبحث والاتصال والابتكار وتجميع معلومات متجددة كل يوم فى أدق فروع المعرفة. إنها الآن "مصنع" إذا جاز التعبير ولكنها مصنع معرفة وثقافة وابتكار. وإن كان فى أساسها بالطبع "الكتاب" الذى تخط فيه عادة أول سطور فى أى فرع من المعرفة.

والإسكندرية مقبلة على مستقبل هائل يفوق دورها الخالد فى حضارة البحر الأبيض المتوسط، مهد حضارة الدنيا، كانت معجزتها القديمة بين معجزات العالم السبع –الفناره الآن ستقوم فيها المكتبة بهذا المفهوم الجديد. وسيعقد فيها قريباً مؤتمر "الإسكندريات" الذى يضم ممثلين عن كل مدينة فى العالم اسمها الإسكندرية. وهى كثيرة جداً من أهم ضاحية لواشنطن إلى سائر جميع القارات وكلها مستمد من اقتران إسمها بالتطور والمستقبل والجديد فكلما ذهب مهاجرون إلى قارة سموا مدينتكم الإسكندرية. وستقوم فيها جامعة لأفريقيا كلها، "جامعة سنجور" على اسم مؤسس السنغال الأول ليوبولد سنجور، لتكون جامعة تنمية القارة الأفريقية كلها.

ومن الإسكندرية صار علينا جميعاً أن نخطط لهذا المستقبل ونفكر له من الآن.

 

أحمد بهاء الدين

13-2-1990