بهـاء أكتوبر!

 

اليوم الاثنين هو ذكرى حرب أكتوبر المجيدة.. ويوم الاثنين بعد القادم تبدأ جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين نشاطها لأول مرة. وقد لا يبدو هناك رابط بين هذا وذاك، لكن الحقيقة أن قليلاً من كتاب الصحافة العرب من ارتبط اسمه بحرب أكتوبر كما ارتبط اسم أحمد بهاء الدين، الذى تابعها بقلمه البهى من عام إلى عام، سواء فى كتاباته الصحفية أو فيما أصدره من الكتب، والتى كان أهمها بالطبع الكتاب المرجع "تحطمت الأسطورة عند الظهر".. الذى كان أول وثيقة جسدت وجهة النظر العربية فى تلك الحرب فأضاف إليها بهاء على بهاء.

إن أحمد بهاء الدين الذى حلت ذكرى رحيله الأولى منذ شهرين فى هدوء غريب، هو أكثر من تعرض لحرب أكتوبر بالتحليل والتقييم باعتبارها أكبر انتصار عسكرى فى التاريخ العربى المعاصر، كما تعرض أيضاً لآثارها الدولية التى تخطت حدود منطقتنا العربية، لتترك توابعها على موازين القوى الدولية، وعلى الفكر العسكرى وعلى قضايا الطاقة وغيرها، وهو لم يفعل ذلك بالشعارات الطنانة التى تعودناها من الكثير من كتاب جيله، وإنما بقلم تحليلى رشيق كلما عدنا إليه وجدناه حياً معنا لا يموت.

ومن المفارقات الغريبة أنه وقت انطلقت شرارة الحرب، كان أحمد بهاء الدين مبعداً عن عمله الصحفى وكان قلمه ممنوعاً من الكتابة فى الصحافة المصرية، ضمن 120 كاتباً وصحفياً آخرين صدرت بأسمائهم قوائم متتالية ما بين شهرى فبراير ومارس 1973 وضمت أناساً مثل يوسف إدريس ومكرم أحمد ولطفى الخولى وثروت أباظة وأحمد حمروش وكامل زهرى ومحمد عودة وفيليب جلاب وغيرهم، وصدرت توجيهات غير مكتوبة بمنع التعامل فى الصحافة والإذاعة والتليفزيون مع كل من توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.

ولقد سافر أحمد بهاء الدين بعد ذلك إلى بيروت واستمر فى مباشرة أعماله كأمين عام لاتحاد الصحفيين العرب، لكن الصحافة المصرية افتقرت إلى قلمه العظيم. وقبل أيام من اندلاع الحرب قرر الرئيس السادات إعادة المبعدين من الكتاب والصحفيين إلى عملهم، وأعلن ذلك فى الخطاب الذى كان يلقيه سنوياً فى ذكرى رحيل جمال عبد الناصر يوم 28 سبتمبر، فعاد بهاء الدين إلى عمله لتشهد مفارقة أخرى هى أن يصبح خلال أسابيع قليلة موضع ثقة الرئيس السادات الكاملة، وأن يصدر خلال شهر فقط وفى يوم 23 مايو 1974 قراراً بتعيينه فى أهم موقع صحفى فى البلاد وأكثرها حساسية وهو رئيس تحرير "الأهرام".

وكان أول مقال كتبه الأستاذ بهاء فى "الأهرام" بعد أن عاد كاتباً بها مرة أخرى بعد عودته من بيروت، هو أول مقالاته العظيمة عن حرب أكتوبر وهى مجموعة مقالات أتمنى أن أراها فى كتاب فى ذكرى أكتوبر المقبلة، والتى هى ذكرى مرور ربع قرن على الحرب، لما يمكن أن يكون لهذا الكتاب من أهمية خاصة فى أدبيات تلك الحرب المجيدة.

ولا أعتقد أننى سأنسى هذا المقال الذى كان عنوانه "مصر تنهى غربتها" لكنه كان يتحدث فيه بين السطور عن غربته هو أيضاً التى أنهتها حرب أكتوبر.. سارع بالعودة إلى مصر رغم أن الطريق الجوى كان مغلقاً فاضطر إلى أن يطير إلى ليبيا ومنها يسافر براً لمدة 24 ساعة متواصلة فى الصحراء من بنى غازى إلى القاهرة.

لقد روى الأستاذ بهاء لى ذات مرة أنه لم يتحمس كثيراً حين سمع فى  خطاب السادات جملته الشهيرة "عفى الله عما سلف".. وكان يعرف أنه سيعود ولكن لم يكن فى عجلة من أمره، لكن ما دفعه إلى الإسراع بالعودة كانت تلك الحرب المفاجئة التى عرف ببصيرته المعهودة وبفطرته التحليلية الثاقبة أنها تنبئ بانتصارات وأمجاد كل العرب متعطشين إليها.

ويشرح الأستاذ بهاء فى مقاله الأول بعد العودة مفارقة أخرى، وهى أن الحظ قد شاء أن تقع الحرب فى مصر مرتين وهو بعيد عنها.. مرة سنة 67 والثانية فى 73 غربة قاسية فى الحالتين، ووحشة لا يعرفها إلا من يكابدها وإن كان شتان بين الغربتين فالغربة الثانية انتهت بها الغربة كلها ".

"6 أكتوبر 1973": فى بيروت بينى وبين بلدى الذى يحارب – بإرادته هذه المرة – بحار وصحراوات.. ولكن الغربة زالت، لقد تم التعرف من جديد على النفس، فالمسألة الجغرافية لأنهم، والمعركة ليست بعيدة عن بيروت، ومن النوافذ ترى المعارك الجوية والطائرة تسقط فى البحر.. لكن الفرد منا يمشى رافعاً الرأس فأخبار مقاتلينا تطل – منتصرة هذه المرة – من كل صحيفة وإذاعة وشاشة تليفزيون، بل ومن فم كل بائع سجائر أو سائق تاكسى بيروت وأنفاس القتال البطولى فى سوريا الملاصقة تحس بحرارتها وتكاد تلمسها وأنت تسمع أخبارها من شهود العيان".

ويحكى الأستاذ بهاء الدين أنه طوال رحلته الصعبة إلى أرض الوطن لم تكن تدفعه إلا لهفة واحدة: "أن أرى وجه قاهرة أكتوبر 1973.. قرار ربما كان كلمة واحدة ولكنه خلاصة لكل الآلام العظيمة والآمال الكبيرة المختزنة منذ سبع سنوات.. وقد أنهت قواتنا المسلحة غربتنا بالطريقة الفذة التى نفذت بها القرار، إنهم هناك تحت اللهب والنار وكأنهم حملوا الغبار الثقيل إلى العدو: السماء تنقشع كلها فى لحظة واحدة عن وجه مصر الحقيقى".

وإذا كانت الحالة التى كانت سائدة بين العرب قبل الحرب هى تلك الغربة التى تحدث عنها الأستاذ بهاء فى مقاله هذا، فإن صورتنا فى الخارج كانت أكثر سوءًا، وأذكر أننى كنت ذات مرة بمكتب الأستاذ بهاء بعد تعيينه رئيساً للتحرير، حين جاءه د. محمد حسن الزيات وزير الخارجية يزوره ليهنئه بالمنصب الجديد، وفى اليوم التالى نشر بهاء الدين مقالاً ذكر فيه بما كان سائداً قبل الحرب فقال إن الزيات كان فى نيويورك لحضوره دورة الأمم المتحدة، حين قامت الحرب، فقال له كيسنجر: هذه سنة التفاهم مع أوروبا، ثم متابعة ما بدأته أمريكا مع الصين وروسيا، وليس قبل ذلك سأفتح ملف الشرق الأوسط لأقرأه!!  وقال له لورد هيوم (انجلترا): لا أظن أننى سأذكر مشكلة الشرق الأوسط فى كلمتى أمام الجمعية العامة، إن قضيتكم صارت مصدر ملل للروس واستهانة من الأمريكان، فماذا يمكن أن نفعل لكم؟.. وقال له جروميكو: لقد قضيت ساعتين مع نيكسون كالعادة كل سنة نستعرض المشكلات الدولية المطروحة، فلم يذكر الشرق الأوسط بكلمته، ولما ذكرته بأن الشرق الأوسط به أيضاً قضية متفجرة قال: ولا متفجرة ولا حاجة!! وقال له ممثل الصين: إننا نؤيد الكفاح العربى، لكن تجربتنا أن الكفاح سوف يستمر عشرات السنين، وكان كلام جويبر (فرنسا) فى نفس الإطار.. ثم يورد بهاء الدين قول د. الزيات: "شعرت أن قضيتنا لم تكن فى ثلاجة فقط، ولكن فى صحراء من الجليد".

لكن حرب أكتوبر تجئ كالبركان فيفيق كل من سباته، ويهرع كيسنجر إلى المنطقة فى محاولة لاحتواء آثار ما حدث، وتتوالى أحداث الحرب وينجح العرب لأول مرة فى استخدام سلاح البترول فى المعركة وتبدأ الولايات المتحدة فى التلويح بأنها ستمنع معونة القمح عن مصر إذا لم تقم مصر بفك الحظر البترولى وينتهى بالفعل الحظر بعد أن زالت أسبابه، لكن العرب يقررون تخفيض إنتاجهم من البترول فتتوعد واشنطن العرب من جديد، لكن قلم أحمد بهاء الدين يتصدى لذلك بقوة حجته المعهودة وباتساع دائرة معلوماته فيقول: "منذ سنوات كثيرة وأمريكا تطبق قانوناً يمنع الملاك الزراعيين من زراعة كل ما يملكون من أراض خصوصاً بالقمح، والسبب هو أن زيادة محصول القمح الأمريكى تؤدى إلى هبوط أسعاره.. هذا فى الوقت الذى كان كثيرون فى آسيا وأفريقيا يموتون جوعاً، وفى الوقت الذى كانت أسعار القمح فيه أغلى من طاقة كثير من الدول النامية!".. ثم يتساءل: "لماذا لا تتذكر أمريكا وأصدقاؤها هذا وهم يصرخون اليوم لأن العرب قرروا تخفيض إنتاجهم من البترول، إذا قللت أمريكا إنتاجها من القمح فهذا حلال.. وإذا قلل العرب إنتاج بترولهم فهذه جريمة فى حق الإنسانية لا تغتفر!.. ومع أن بئر البترول تنضب بعد سنوات، فهو رصيد سوف ينفد ومن حق صاحبه أن يحافظ عليه فى حين أن الأرض التى تنتج القمح لا تنضب، وسوف تظل تنتج مزيداً من القمح حتى آخر الزمان..". ثم يؤكد الأستاذ بهاء أن القمح لن يقطع عن العرب لأن المحصول السوفيتى من القمح فى عام 1973 بالذات وفير بدرجة تسمح لروسيا. بتعويض العرب، لو أن أمريكا قطعت عنهم القمح..

ويتابع أحمد بهاء الدين أحداث أكتوبر يوماً بيوم، وفى بداية الأسبوع الثالث لاندلاعها يكتب: "تدخل حرب أكتوبر اليوم أسبوعها الثالث وأول ما يخطر على البال هو قول موشى ديان كما سمعته بأذنى يوم 7 أكتوبر: يومان لصد الهجوم المصرى – السورى، ثم يومان يكتمل خلالهما استدعاء الاحتياطى الإسرائيلى، ثم يومان لإنهاء القتال، أى ستة أيام لا أكثر ولا أقل!". وقد يكون فى استعراض بعض عناوين المقالات التى كتبها أحمد بهاء الدين بعد حرب أكتوبر إشارة إلى إنجازه فى هذا المجال وتذكرة لبعض تطورات الأحداث فى ذلك الوقت:

- فداحة الخسائر الإسرائيلية فجرت الأزمة الوزارية ومهدت الطريق للقضاء على أسطورة ديان...

- أين كانوا وأين كنا قبل وبعد 6 أكتوبر؟..

- سوابق إسرائيل فى التلاعب بقرارات وقف إطلاق النار تضع مسئولية كبرى على الدولتين صاحبتى القرار..

- الدور المطلوب من الدول العربية قبل مؤتمر جنيف.

- مؤتمر جنيف واحتمالات السلوك الاسرائيلى..

- ثورة جديدة يفجرها سلاح البترول.

- ماذا فى إسرائيل؟.. أزمة العودة إلى الجحيم الحقيقى.

وبعد مرور شهرين تقريباً على بداية الحرب، يبدأ أحمد بهاء الدين فى تأكيد "إقليمية الصراع" وكيف ينبغى النظر أيضاً إلى القضية الفلسطينية.. ويكتب فى هذا الصدد مقالين بعنوان "الدولة الفلسطينية" فى وقت كان التعبير المطروح هو "وطن قومى" وليس "دولة" ويكون أول مقال له كرئيس لتحرير "الأهرام" فى 31 مايو 1974 عن القضية الفلسطينية، وفيه يتحدث عن أشياء أخذ بها الفلسطينيون بعد ذلك بحوالى عشرين عاماً فيقول بأن الفلسطينيين لا ينبغى أن ينتظروا الانسحاب الإسرائيلى الكامل من الأراضى المحتلة، وإنما عليهم أن يقبلوا بأى انسحاب يتم، فمهما كان شكل الانسحاب وظروفه فقد دفع الفلسطينيون ثمنه، ثم يطالب بإقامة "سلطة وطنية على أى شبر يتحرر من أرض فلسطين"... إن قراءة أمجاد حرب أكتوبر التى نحتفل اليوم بذكراها فى كتابات أحمد بهاء الدين تضع أمامنا عدة حقائق مهمة كثيراً ما كان يؤكدها.. ومنها مثلاً:

1- أن الحرب أثبتت أن إرادة الدول الكبرى مهما بلغت، فهى لا تلغى دور الإرادات المحلية حين تريد أن تفرض واقعاً، وإن كانت تجعل لهذه الإرادات حدوداً.

2- أنها أعادت إلى أذهان العالم أن عوامل الوحدة العربية أقوى بكثير من خلافات النظم والحكومات، فمع الدم المصرى والسورى سالت دماء عربية أخرى.

3- أنها فجرت باستخدامها لسلاح البترول قضايا أخرى فى العالم، كانت كامنة مثل أزمة الطاقة العالمية وأسعارها والنظام النقدى الدولى.

4- أن المعارك القتالية طرحت أسئلة جوهرية على الفكر العسكرى فى العالم وعلاقته بمعنى الأمن بين الدول.

رحم الله قلم الصحافة العربية البهى أحمد بهاء الدين.. الذى سعدت بأن جمعية أصدقائه قررت ألا تقيم له حفلات التأبين، وإنما أن تقدم باسمه أعمالاً تفيد الناس فى المجالات الثقافية والتعليمية مثل إقامة المدارس وتأمين المنح الدراسية للطلاب، وعقد الندوات والمحاضات وتقديم الأمسيات الفنية، وهى تفتتح نشاطها فى نفس شهر أكتوبر وبعد ذكرى الحرب بأسبوعين بأمسية بدار الأوبرا لشاعر فلسطين الكبير محمود درويش الذى كان مرتبطاً هو الآخر بأحمد بهاء الدين مثل فلسطين ذاتها ومثل كل عمل عربى أصيل.. وفى مقدمة تلك الأعمال حرب أكتوبر المجيدة.

محمد سلماوى

6-10-1997