الرئيسية موضوعات ناقشها بهاء مكتبة المقر المركز الثقافى أنشطة الجمعية خريطة الموقع
كلمة السر 
عضو جديد
نسيت كلمة السر


"إسهامات علمية"مولدجديد لتراث الراحل الدكتور اسماعيل صبرى

عرض للأسطوانة

الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله

مناضل سياسى مصرى وعربى وعالم ثالثى فذ

وأستاذ موسوعى

        عاش الدكتور حياته مناضلا . وحفلت حياته فى مراحلها المختلفة بأشكال متعددة من النضال . فهو فى شبابه وإبان وجوده بالجامعة جزء من حركة اليسار المصرى، يناضل من أجل الاستقلال الوطنى والديموقراطية، ويدعو مع غيره لجلاء القوات المحتلة وإسقاط النظام الملكى وإقامة جمهورية برلمانية ، ويدعو لتحرير الاقتصاد من السيطرة الإمبريالية وتحقيق العدل الاجتماعى لشعب مصر . بإقامة نظام اشتراكى فيها .

        وهو بعد ذلك ينتقل إلى باريس للحصول على الدكتوراه فى الاقتصاد ويتصل فى باريس بالحزب الشيوعى الفرنسى ويتعلم من نضاله . ويصبح مسئولا عن الاتصال بين الحزب وبين عناصر اليسار المصرى الذين يعيشون فى فرنسا فترة مؤقتة يعودون بعدها لمواصلة النضال فى مصر . وتتيح له الحياة فى باريس الاتصال بالدارسين والسياسيين العرب الذين يتلقون العلم ويسعون لاستقلال بلادهم ويجاهدون فى نفس الوقت لتحقيق نهضة عربية شاملة توحد الشعوب العربية وتوفر الشروط لتحقيق نهضتها . ويتعرف أيضاً على قيادات أفريقية وآسيوية تناضل لتحرير بلادها وتقدمها .

 ويعود بعد حصوله على درجة الدكتوراه إلى جامعة الإسكندرية حيث عين مدرسا للاقتصاد فى كلية الحقوق بها فى عام  1951 ،وحيث زامل الدكتور فؤاد مرسى الذى كان معه فى باريس . وكانت الحركة الشيوعية المصرية قد انقسمت أكثر من انقسام ، وغادر مصر العديد من عناصرها الذين كانوا من أصول أجنبية أو يهودية . واشترك الدكتور إسماعيل صبرى مع الدكتور فؤاد مرسى وغيرهما من العناصر فى تكوين الحزب الشيوعى المصرى الذى استند برنامجه إلى دراسة علمية للواقع الاقتصادى والاجتماعى . وطالب البرنامج بتحديد حد أعلى للملكية الزراعية وتنظيم زراعة الأرض عن طريق جمعيات زراعية تعاونية إنتاجية .كما طالب البرنامج بتأميم قناة السويس وتجارة تصدير القطن والقطاع المصرفى وقطاع التأمين فضلا عن الصناعات الرأسمالية .

        وقد اتخذ الحزب موقفا متحفظا من حركة الضباط الأحرار التى نظمت انقلابا عسكريا فى يوليو 1952 وإن أبدت ترحيبا بعزل الملك وإقامة نظام جمهورى .كما اتخذ الحزب موقفا متحفظا أو رافضا لعدد من إجراءات مجلس قيادة الثورة . إذ انتقد الحزب بشدة الموقف الذى اتخذ من إضرابات العمال فى كفر الدوار وإجراءات المحاكمة العسكرية للعمال المضربين التى انتهت إلى إعدام القائدين العماليين خميس والبقرى . واتخذ الحزب موقف الرفض من إلغاء الأحزاب ومنع النشاط الحزبى. ورفض أيضا معاهدة 1954 بين بريطانيا ومصر وذلك لما تضمنه الاتفاق من السماح لبريطانيا من إبقاء القاعدة بعد جلاء قواتها تحت إدارة خبراء بريطانيين مدنيين ، ولما تضمنته المعاهدة أيضاً من السماح للقوات البريطانية بالعودة للقاعدة فى حالة أى تهديد جدى لمنطقة الشرق الأوسط بما فى ذلك تركيا .وقد نظم الحزب حركة احتجاجية ضد المعاهدة بمشاركة الإخوان المسلمين وغيرهم من القوي الرافضة للمعاهدة .

        واعترض الحزب أيضاً على ما شمله قانون الإصلاح الزراعى من دفع تعويضات عن الأراضى التى ستزيد عن الحد الأعلى للملكية وإن اتخذ هذا التعويض شكل سندات تدفع خلال عشرين عاما .  وأيد الحزب حركة مارس 1954 والمطالبة بالديموقراطية وعودة الضباط إلى ثكناتهم . وكان من نتيجة ذلك إن تم القبض على الدكتور إسماعيل صبرى وعدد من زملائه فى نوفمبر 1955 . وتعرض الدكتور إسماعيل صبرى لتعذيب شديد فى السجن الحربى لإجباره على الاعتراف بأنه الرفيق خالد السكرتير العام للحزب .وقدم بعد ذلك المحكمة التى برأته من التهمة واستنكرت التعذيب الذى تعرض له .

        واستمر الدكتور إسماعيل صبرى فى نضاله السياسى فى إطار الحزب الشيوعى المصرى بعد الإفراج عنه . وكان نظام يوليو قد اتخذ عدداً من الخطوات الإصلاحية واتخذ بقيادة عبد الناصر موقفا صلبا مناهضا للإمبريالية تجلى فى موقف مصر من الاعتراف بالصين الشعبية وعقد صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفييتى ، والمشاركة فى مؤتمر باندونج حيث لعب عبد الناصر دوراً رياديا . واشترك فى تكوين كتلة عدم الانحياز . ولعبت مصر أيضاً دوراً هاما فى مساعدة الثورة الجزائرية . وبدأت مصر التوجه إلى تشجيع التصنيع وإقامة عدد من الصناعات الثقيلة بمساندة من الدولة. وسعت مصر للحصول على تمويل لمشروع السد العالى عن طريق أميركا وبريطانيا والبنك الدولى . وبعد موافقة مبدئية ، انسحبت الدولتان والبنك الدولى من تمويل المشروع، وأعلن رفض الدولتين بشكل عنيف يتضمن تشكيكا فى قدرة مصر على تنفيذ المشروع . وأدى هذا الرفض بعبد الناصر إلى تأميم قناة السويس لتوفير التمويل اللازم . وهو ما استتبع حدوث العدوان الثلاثى على مصر فى 1956 .

 وتمكنت مصر من الصمود فى وجه العدوان الثلاثى بما سمح للقوى الدولية ومجلس الأمن من تفعيل ضغوط على دول العدوان الثلاثى أجبرتها فى النهاية على الخروج من الأراضى المصرية . واستتبع العدوان الثلاثى تأميم رأس المال البريطانى والفرنسى ووضع الرأس المال اليهودى تحت الحراسة . وبدأت عملية تأميم وتمصير واسعة لعدد من الصناعات وللبنوك وشركات التأمين الأجنبية وأنشئت المؤسسة الاقتصادية لإدارة القطاع العام الجديد . وكان إنشاء المؤسسة بناء على اقتراح سابق للدكتور إسماعيل صبرى عندما كان مستشارا اقتصاديا للرئيس عبد الناصر عندما كان رئيسا للوزراء . وأمر الرئيس عبد الناصر رئاسة المؤسسة بأن تولى الدكتور إسماعيل صبرى مسئولية الإدارة الاقتصادية بها. وهو ما قام به على خير وجه .

        وبدأت فترة من التعاون بين الشيوعيين المصريين وبين ثورة يوليو ، خاصة بعد وضوح مواقف مصر المناهضة للإمبريالية والمناصرة لحركات التحرير العربية والأفريقية. واستمر موقف الشيوعيين المؤيد للثورة حتى بعد أن توحدت الحركة الشيوعية وأقامت حزبا شيوعيا موحداً مارس فى إطاره الدكتور إسماعيل صبرى دوراً قياديا .

        وأيد الشيوعيون الوحدة بين مصر وسوريا، وإن اعترضوا على الشكل الذي تمت به ، وعلى ما صاحب عملية التوحيد من مد النظام الرئاسى المصرى ليشمل سوريا أيضاً. كما اعترضوا على إلغاء الأحزاب وفرض وجود تنظيم واحد على سوريا امتداداً للتنظيم الواحد القائم فى مصر إذ ذاك، وهو الاتحاد القومى .

        وأدى هذا الخلاف ، ورفض الحزب الشيوعى السورى لشروط الوحدة المصرية السورية ، ثم حدوث ثورة العراق فى يوليو 1958 وما أعقبها من صراع بين حزب البعث والقوميين فى العراق من جهة وبين الحزب الشيوعى العراقى من جهة أخرى ، إلى حدوث حملة اعتقال واسعة للشيوعيين المصريين فى ليلة رأس السنة الميلادية لعام 1959 . وشملت الحملة فيمن شملتهم الدكتور إسماعيل صبرى وغيره. ونقل المقبوض عليهم إلى سجن أبى زعبل حيث تعرضوا لحملة قاسية من التعذيب . ثم تم نقلهم بعد ذلك إلى الواحات الخارجة حيث تم اعتقالهم لمدة طويلة انتهت فى مايو 1964 .

        وكانت سنوات السجن والمعتقل سنوات تحولات اجتماعية واقتصادية هامة فى   مصر . ففيها بدأ الانتقال من التوجيه الاقتصادى إلى التخطيط القومى الشامل . ووضعت أول خطة قومية للتنمية . وفيها حاول النظام المصرى تنفيذ الخطة بالاعتماد على القطاع الخاص والقطاع العام الناشئ . وتعثر تنفيذ الخطة نتيجة لتردد الرأسمالية المصرية فى الاستثمار فى المشروعات التى تضمنتها خطة التصنيع الأولى . وبدأ اتجاه واسع لتهريب الأموال للخارج مما دفع عبد الناصر إلى اتخاذ خطوات للسيطرة على الفائض الاقتصادى وتوجيه الاستثمار فى إطار الخطة القومية الشاملة . وقد تمت عملية تأميم واسعة للرأسمالية الكبيرة المصرية والسورية ، كما خفض الحد الأعلى للملكية الزراعية .

        وكان من نتيجة ذلك تمرد الرأسمالية السورية على التحولات التى فرضها النظام المصرى . وحدوث انقلاب عسكرى سورى أنهى الوحدة التى كانت قد نمت منذ أقل من ثلاث سنوات . وهزت عملية الانفصال القيادة السياسية المصرية من الأعماق . وبدأت إعادة نظر شاملة فى الخطوات التى سبق أن اتخذتها ثورة يوليو على أساس من التجربة والخطأ . ودعا عبد الناصر قوى الشعب العاملة إلى اجتماع عرض فيه مسار الثورة وأفكاره عن المستقبل فى خطاب طويل . وجرت مناقشات واسعة لأفكار عبد الناصر وتوجهاته . وكان من نتائج هذا النقاش التوجه لوضع ميثاق العمل الوطنى الذي صدر وأقر فى عام 1962 . وأعلن الميثاق أن هدف الثورة المصرية هو أن تبنى نظاماً اشتراكيا مصريا ،وأن تخط طريقا مصريا للاشتراكية على أساس من الاشتراكية العلمية .

        وكان من نتائج ذلك ، ومن نتائج إلغاء مبدأ التعويض عن الأرض الزراعية التى تم الاستيلاء عليها وتوزيعها ، والشروع فى بناء السد العالى و تنفيذ برنامج فعال للتصنيع بمساعدة الاتحاد السوفييتى وغير ذلك من الخطوات ، أن قبل الجزء الأكبر من قيادات الحزب الشيوعى حل الحزب والمطالبة بتوحيد كل القوى الاشتراكية فى تنظيم واحد بقيادة عبد الناصر. وتم الإفراج عن المعتقلين بمن فيهم الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله وغيره من القيادات .

        وقامت سلطات الدولة بمحاولة لاستيعاب المعتقلين السابقين فى الحياة المدنية  المصرية . وعين الدكتور إسماعيل صبرى فى دار المعارف ليكون مسئولا عن النشر فيها . وفى نفس الوقت سمح بإنشاء مجلة الطليعة ضمن مؤسسة الأهرام لتكون منبرا لليسار المصرى . وأصبح الدكتور إسماعيل صبرى أحد أهم أعضاء مجلس إدارتها ومحرريها . ثم عين مديرا لمعهد التخطيط القومى فى عام 1969 وظل مسئولا عنه حتى عام 1977 .

ومنذ ذلك الوقت ارتبط النضال السياسى للدكتور إسماعيل صبرى عبد الله على المستوى العالمى والعربى ومستوى دول عدم الانحياز بنشاطه الفكرى، كما ارتبط بعضويته أو برئاسته لأكثر من منظمة غير حكومية أو لجان لهيئات دولية أو عربية أو لدول الجنوب . ونشير هنا بوجه خاص إلى عضويته فى اللجنة الدولية لمؤسسة داج همرشولد ، وعضويته فى اللجنة التنفيذية للمؤسسة الدولية للتنمية البديلة (الإفدا) ، والمشاركة فى الإشراف على الدوسيه الناتج عنها، ومشاركته فى لجنة الجنوب التى شكلت بناء على توصية من مؤتمر قمة عدم الإنحياز ، والتى صدر عنها التقرير المعروف " التحدى للجنوب " الذى شارك الفقيد بدور هام فى إنجازه .

        أما على المستوى العربى فيذكر للدكتور إسماعيل عضويته فى لجنة العشرين التى أنشأها المجلس الاقتصادى والاجتماعى لجامعة الدول العربية وقدم فيها تصورا لاستراتيجية العمل الاقتصادى العربى المشترك، والتى صدر عنها دراسته عن" العرب بين التنمية القطرية والتنمية القومية" التى نشرت فى مجلة المستقبل العربى فى عددها الثالث لعام 1978، وكتابه الهام عن" وحدة الأمة العربية - المصير والمسيرة " الذى صدر عن الأهرام فى عام 1994 .

        أما على المستوى القطرى فقد كان الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله أحد مؤسسى حزب التجمع الوطني التقدمى الوحدوى . وقد اتجه الحزب لفتح أبوابه لكل القوى الاشتراكية والتقدمية فى مصر على اختلاف مدارسها الفكرية وتوجهاتها النظرية . وكانت هذه الطبيعة للتجمع كمنبر لليسار أولاً، ثم كحزب لليسار بعد ذلك، هى ترجمة أمينة للموقف الذى كان قد اتخذه الحزب الشيوعى المصرى عندما حل نفسه فى الستينات وطالب عبد الناصر بتكوين تنظيم موحد لكل الاشتراكيين بقيادته . ولعب الدكتور إسماعيل صبرى دوراً هاماً فى الحزب وبصفة خاصة فى تحديد برنامجه الأول ، ثم عند الإعداد لتجديد البرنامج فى التسعينات عندما اعتبر كتابة المعنون " مصر التى نريدها " والصادر عن دار الشروق عام 1992 أحد المصادر الأساسية للبرنامج الجديد للحزب. ويذكر له أيضاً قيادته لمركز البحوث فى الحزب ،ثم للمكتب الاقتصادى، ودوره فى إعداد تقرير عن الاقتصاد المصرى قدم للمؤتمر الاقتصادى الذى دعا إليه الرئيس مبارك فى عام 1982 ، ومشاركته فى دراسة موضوع الدعم وما نتج عنه من كتاب تحت عنوان" دعم الأغنياء ودعم الفقراء" الذي صدر في سلسلة
" كتاب الأهالى " .

        وظل الدكتور إسماعيل صبرى يناضل من أجل تحقيق الديموقراطية فى مصر ، مؤكداً على أهمية النضال من أجل نظام جمهورى برلمانى بديلا عن النظام الرئاسى الحالى . وظل يدعو إلى النضال لتكوين بديل ديمقراطي لكل من الحزب الوطنى الحاكم من جهة وللإخوان المسلمين من جهة أخرى رافضا شخصنة المعركة من أجل الديموقراطية، وخصوصا قصر مطلب المعارضة على عدم التمديد وعدم التوريث .

        وقد كان الراحل الكريم أستاذا موسوعيا وتتبين الصفة الموسوعية لعلم الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله من كتاباته بالعربية والإنجليزية والفرنسية والتى شملت العديد من الموضوعات بدءا من كتابه عن مبادئ علم الاقتصاد الذى نشرته دار الطالب بالإسكندرية عام 1954 إلى كتابه بعنوان فى مواجهة إسرائيل والصادر عن دار المعارف فى 1969 وكتابه عن تنظيم القطاع العام الصادر عن نفس الدار فى نفس السنة . وغيرها من الكتب الاقتصادية والسياسية التى بلغت اثنى عشر كتابا .

فضلا عن العديد من المقالات والدراسات المصرية والعربية والتى شملت إلى جانب الاقتصاد دراسات عن البيئة وعن المستقبلات العربية البديلة وعن مستقبل مصر . وعن دول الجنوب وغيرها .

هذا بالإضافة إلى عموده الأسبوعى فى جريدة الأهالى تحت عنوان " ألفاظ ومعان " والذى عالج فيه الدكتور إسماعيل موضوعات متعددة وطرح قضايا تغطى مختلف المجالات الثقافية والسياسية والعلمية .

        لقد عاش الدكتور إسماعيل صبرى مناضلا صلبا من أجل حرية شعبه ومن أجل الديموقراطية والعدل الاجتماعى والتنمية المستقلة والقضاء على الفقر وتحقيق مستوى حياة لائق لجماهير الشعب . وقد تحمل فى سبيل ذلك مشاقا لا تحصى. وسيذكره الشعب المصري دائما باعتباره إبناً باراً من أعظم وأشرف وأنبل وأصلب أبناء مصر .

                                              د . إبراهيم سعد الدين عبد الله

الرئيسية موضوعات ناقشها بهاء الدين مكتبة المقر المركز الثقافى نشاط الجمعية خريطة الموقع